صديق الحسيني القنوجي البخاري

450

فتح البيان في مقاصد القرآن

والوجه الثاني أنكم حكمتم بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام مخصوصا بالإبل فاللّه تعالى بين أن النعم عبارة عن هذه الأنواع الأربعة ، وهي الضأن والمعز والبقر والإبل ، فلم لم تحكموا بهذه الأحكام في هذه الأنواع الثلاثة وهي الضأن والمعز والبقر فكيف خصصتم الإبل بهذا الحكم دون هذه الأنواع الثلاثة انتهى ؟ . أَمِ هي المنقطعة بمعنى بل ، والاستفهام للإنكار أي بل كُنْتُمْ شُهَداءَ حاضرين مشاهدين إِذْ أي وقت أن وَصَّاكُمُ اللَّهُ في زعمكم بِهذا التحريم والمراد التبكيت والإلزام بالحجة كما سلف قبله فَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فحرم شيئا لم يحرمه اللّه ونسب ذلك إليه افتراء عليه كما فعله كبراء المشركين لِيُضِلَّ اللام للعلة أي لأجل أن يضل النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ أي بجهل أو افتراء عليه جاهلا بصدور التحريم ، وإنما وصفوا بعدم العلم بذلك مع أنهم عالمون بعدم صدوره عنه إيذانا بخروجهم في الظلم عن حدود النهايات . إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ على العموم وهؤلاء المذكورون في السياق داخلون في ذلك دخولا أوليا ، ويدخل في هذا الوعيد كل من كان على طريقتهم أو ابتدع شيئا لم يأمر اللّه به ولا رسوله ونسب ذلك إلى اللّه ، لأن اللفظ عام فلا وجه للتخصيص ، فكل من أدخل في دين اللّه ما ليس فيه فهو داخل في هذا الوعيد . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 145 ] قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 145 ) قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ أي القرآن وفيه إيذان بأن مناط الحل والحرمة هو النقل لا محض العقل ، ومعنى مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ أي أيّ طاعم كان من ذكر أو أنثى ، فهذا رد لقولهم : ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا [ الأنعام : 139 ] . وفي يَطْعَمُهُ زيادة تأكيد وتقرير لما قبله ، قال طاوس : إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون أشياء ويحلون أشياء فنزلت هذه الآية ، وقال ابن عباس : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا فبعث اللّه نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه ، فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، ثم تلا هذه الآية وقال : ما خلال هذا فهو حلال ، وعن الشعبي أنه سئل عن لحم الفيل والأسد فتلا هذه الآية . والمعنى أمره اللّه سبحانه بأن يخبرهم أنه لا يجد في شيء مما أوحي إليه محرما